محمد متولي الشعراوي

1277

تفسير الشعراوي

يتسع ظنه إلى أن يؤول ويردها إلى المحكم بأن اللّه ليس كمثله شئ . فله ذلك ، ومن يتسع ظنه ويقول : أنا آمنت بأن للّه يدا ولكن في إطار « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فله ذلك أيضا وهذا أسلم . والحق يقول : « منه آيات مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ » ومعنى « أمّ » أي الأصل الذي يجب أن ينتهى إليه تأويل المتشابه إن أوّلت فيه ، أو ترجعه إلى المحكم فتقول : إن للّه يدا ، ولكن ليست كأيدى البشر . إنما تدخل في نطاق : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( من الآية 11 سورة الشورى ) ولماذا قال الحق : « هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ » ؟ ولم يقل : هن أمهات الكتاب ؟ لك أن تعرف أيها المؤمن أنه ليس كل واحدة منهن أمّا ، ولكن مجموعها هو الأم ، ولتوضيح ذلك فلنسمع قول الحق : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) ( سورة المؤمنون ) لم يقل الحق : إنهما آيتان ؛ لأن عيسى عليه السّلام لم يوجد كآية إلا بميلاده من أمه دون أب أي بضميمة أمه ، وأم عيسى لم تكن آية إلا بميلاد عيسى أي بضميمة عيسى . إذن فهما معا يكونان الآية ، وكذلك « هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » فالمقصود بها ليس كل محكم أمّا للكتاب ، إنما المحكمات كلها هي الأم ، والأصل الذي يردّ إليه المؤمن أىّ متشابه . ومهمة المحكم أن نعمل به ، ومهمة المتشابه أن نؤمن به ؛ بدليل أنك إن تصورته على أي وجه لا يؤثر في عملك . فقوله الحق : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » لا يترتب عليه أي حكم ، وهنا يكفى الإيمان فقط . لكن ماذا من أمر الذين قال عنهم اللّه : « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » ؟ . ولنا أن نعرف أن « الزيغ » هو الميل ، فزاغ يعنى مال ، وهي مأخوذة من تزايغ الأسنان ، أي اختلاف منابتها ، فسنّة تظهر داخلة ، وأخرى خارجة ، وعندما لا تستقيم الأسنان في طريقة نموها يصنعون لها